اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
338
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
واسم ياقوت يشير إلى أنه كان في الأصل عبدا رقيقا ؛ وقد جرت العادة بتسمية الأرقاء بأسماء الحجارة الكريمة والطيب كزمرد وكافور الخ . وقد حاول ياقوت فيما بعد استبدال اسمه باسم مقارب له في اللفظ وهو يعقوب ولكن ثبت عليه ، سواء بين معاصريه أو لدى الأجيال التالية أو في الدوائر العلمية ، ذلك الاسم الذي كان يطلق عادة كما ذكرنا على الأرقاء . أما نسبته وهي الرومي فدليل على أن أصله من بلاد الدولة البيزنطية وربما كان إغريقى الجنس . ونظرا لأن أباه كان غير معروف فقد تسمى بابن عبد اللّه كما جرت العادة في مثل هذه الأحوال . وجميع هذه الأسامى كانت واسعة الانتشار وتسمى بها عدد كبير من الموالى من أصل رومى ؛ وياقوت نفسه يذكر في معجمه الأدبي اثنين من معاصريه كانا يشاركانه اسمه مشاركة تامة ، أحدهما أبو الدرياقوت بن عبد اللّه الرومي الذي عرف كشاعر وأديب وتوفى عام 622 ه - 1225 19 ، الآخر ياقوت بن عبد اللّه الرومي الذي عاش بالموصل واشتهر لا كأديب ونحوى فحسب بل وكخطاط أيضا من مدرسة ابن البواب المشهور ؛ وقد قابله مؤلفنا بالموصل عام 613 ه - 1216 وتوفى بعد خمسة أعوام من ذلك في عام 618 ه - 1221 20 . ويعرف ياقوت أيضا باسم الحموي نسبة إلى التاجر الذي اشتراه وهو غلام ، وكان من أهل حماة . وإجماع الآراء أن ياقوت ولد عام 575 ه - 1179 ، ولم يكن يفهم لغته الأصلية أو على الأقل لم يجدها ؛ وقد أصبحت العربية لغته القومية - - ولكن يلوح أنه بالنسبة لأصله الأجنبي فإنه لم يبلغ درجة عالية من الفصاحة فيها ، ولو أن الذي لاحظ ذلك علامة متعسف كفليشر Fleischer 21 ؛ ولعله ليس من قبيل الصدفة أن نثره الفنى لم يبلغ درجة عالية من البلاغة أيضا 22 . وعلى أية حال فقد نال ياقوت تعليما إسلاميا جيدا ، شأنه في هذا شأن الأرقاء من الروم الذين التقينا بهم من وقت لآخر على صفحات هذا الكتاب . وقد جهد سيده الذي لم ينل حظا وافرا من التعليم في أن يوفر له هذا ، وكان تاجرا على سعة من العيش اضطرته مصالحه إلى الإقامة ببغداد فأراد أن يتخذ لنفسه كاتبا ماهرا يساعده في أعماله التجارية . ويذكر لنا ياقوت من بين أساتذته اللغويين المشهورين العكبري ( توفى عام 616 ه - 1219 ) وابن يعيش ( توفى عام 643 ه - 1245 ) 23 وكثيرا ما اصطحبه سيده في أسفاره التجارية وبعث به أحيانا بمفرده . ومن أكثر الأسفار التي تركت أثرا في نفسه في ذلك العهد رحلاته العديدة إلى جزيرة كيش التي ساعدت كثيرا في توسيع أفقه الجغرافي . وجزيرة كيش أو كيس ( وفي شكلها المعرّب قيس ) تقع في ذلك الجزء من خليج فارس الذي أسمته العرب بحر عمان ، وكانت لعهد ياقوت مركزا من مراكز التجارة الخارجية للعالم الإسلامي تجمع فيها ممثلو مختلف الأقطار والشعوب ؛ وكانت الجزيرة غنية بالنخيل وغيره من الأشجار وأنواع النبات . وقبل ياقوت بقليل ، وذلك في النصف الثاني من القرن الثاني عشر زارها رحالة آخر هو بنيامين التّطيلى Benjamin of Tudela وامتدحها كثيرا . وبعد مائة عام من ذلك ، أي في النصف الثاني من القرن الثالث عشر ، زارها ماركوبولو Marco Polo